fbpx
الكيمياء

السَكَرين: أقدم مُحَلِّي صناعي في العالم

يُعَد السكرين “saccharin” أقدم مُحَلِّي صناعي استخدمته البشرية كبديل للسكر، فقد تم اكتشافه عن طريق الصدفة عام 1878. وعندما تم تقديمه للجمهور لأول مرة، بَدا كأنه معجزة. فقد كانت حلاوته تفُوق حلاوة السكر الطبيعي بحوالي 300 ضعف أو يزيد! ليس هذا فحسب، فهو تقريبًا لا يحتوي على أي سعرات حرارية! ومَن مِنّا لا يرى أن هذا رائعٌ حقًا. ولكن، للسكرين وجه آخر. فسواء قصة اكتشافه أو استخدامه لم تكن تفاصيلهما على نفس قدر حلاوة طعمه.
ما هي قصته إذًا؟ وما هو المُحلي الصناعي وبديل السكر من الأساس؟ هذا ما سنتعرف عليه خلال هذا المقال.

ما الفرق بين المُحليات الصناعية وبدائل السكر؟

بديل السكر “sugar substit” هو مادة تُضاف للأطعمة، و تُعطي نفس تأثير السكر على حاسة التذوق (أي أنها مادة للتحلية ولإعطاء المذاق الحلو)، فنستخدمها بدلًا من سكر المائدة العادي (سكروز “sucrose”). وعادة ما تكون أقل من السكر العادي من ناحية السعرات الحرارية.
بدائل السكر نوعان؛ إحداهما طبيعية المصدر، والأخرى مصنّعة. وعادةً ما نُسمي البدائل الغير الطبيعية أو المصنعة بالمحليات الصناعية “Artificial sweeteners”.

إذًا، فمصطلح “بديل السكر” أعم وأشمل من مصطلح “محلي صناعي”. قد تكون المُحليات الصناعية مشتقة من مواد طبيعية، مثل الأعشاب أو من السكر نفسه -ليست فقط مركبة تركيبًا كيميائيًا-. تُعرف المحليات الصناعية أيضًا بالمُحليات المكثفة أو عالية الكثافة، لأن طعمها الحلو مركّز أكثر بمرات عديدة من السكر العادي. لذا؛ عند استخدامها سنحتاج منها كمية أقل من السكر العادي، وبالتالي فإن الطاقة الداخلة للجسم مع الطعام، أو المشروب المُحلَّى ببديل السكر، أو بالمحلي الصناعي هذا ستكون ضئيلة. ومن أمثلة المحليات الصناعية:
– الأسبارتام “aspartame”.
– السكرالوز “sucralose”.
– النيوتام “neotame”.
– أسيسلفام البوتاسيوم “acesulfame potassium”.
– والسَكَرين “saccharin”، وهو ما خُصِّص له هذا المقال.

الماضي الغير حُلْو للسَكَرين ذو المذاق الحُلْو

تبدأ قصة السكرين في مختبرات جامعة جونز هوبكنز “Johns Hopkins University”، حيث يعمل الدكتور إيرا ريمسن “Ira Remsen” مع الكيميائي الروسي قسطنطين فالبيرغ “Constantin Fahlberg”.
في عام 1878 كان كلاهما يعمل على مشتقات قطران الفحم ومنتجاتها. و ذات ليلة من ليالِ شهر يونيو، عمل قسطنطين لوقت متأخر في المختبر. وعند عودته إلى المنزل، تناول العشاء على عجالة -متجاهلًا غسل يديه- فلاحظ أن الخبز الذي يتناوله حلو المذاق بشكل غير طبيعي، وكذلك شرابه، حتى منديله الورقي طعمه حلو. أدرك “قسطنطين فالبيرغ” أنه كان يحتسي الشراب من منطقة من فنجانه قد لامست أصابعه من قبل. فتذوق طعم إبهامه، وأدرك أن مصدر حلاوة الطعم هذه كانت على يده منذ البداية. فعاد إلى المختبر سريعًا، ليعمل على المادة صاحبة هذا الطعم الحلو، والتي أطلق عليها اسم “سكر قطران الفحم”، والذي أسماه بعد ذلك السكرين.

شارك قسطنطين ورمسن في تأليف أوراق بحثية عن السكرين خلال السنوات القليلة التي تلت هذا الحدث، لكن قسطنطين كان أنانيًا، حصل بمفرده على براءة اختراع ألمانية للمركب في عام 1884، تلتها سلسلة من براءات الاختراع الأمريكية. استاء ريمسن مما قد فعل شريكه، وسبب استيائه عدم اعتراف قسطنطين بمساهمته في هذا الاكتشاف. لم يكن ريمسن مُباليًا بالإنتاج التجاري للسكرين، بل كان غاضبًا بشكل خاص من إهمال رواية قسطنطين للاكتشاف حتى من ذِكْر من هو الباحث الرئيسي “the lead researcher”.

مع انتشار التكنولوجيا ووسائل الراحة في القرن العشرين، أصبحت حياتنا أكثر استقرارًا ورفاهية، فأراد البشر ما يجعل أطعمتهم حلوة ولذيذة، وفي نفس الوقت ذات سعرات حرارية أقل، لتلافي اكتساب وزنٍ زائد. فظهر السكرين على الساحة، وكان ذلك من حسن حظنا. زيع صيت السكرين آنذاك لهذا السبب. ومع دخول الحرب العالمية الأولى وشحوح بيع السكر العادي، انتشر بيع السكرين بكثرة، حتى أنه كان يُعرف باسم سكر الفقراء “The poor man’s sugar”، رغم الطعم المر أو المعدني الذي يتركه بالفم. وتعد الستينات والسبعينات من القرن الماضي أيضًا هي العصر الذهبي للسكرين، خاصة لدى مرضى السكر، مع ظهور أول نوع من كولا دايت في الولايات المتحدة.

بعد ذلك، انتشرت أخبار ودراسات عديدة حول أضرار السكرين. وتوجهت إليه أصابع الاتهام على أنه مسبب لسرطان المثانة. حيث ظهرت شكوك الناس حوله أثناء الحرب العالمية الثانية بدرجة دفعت الرئيس الأميركي روزفلت إلى القول: «من يعتقد أن السكرين ضار فهو أحمق» فقد كان من أكبر أنصاره ومحبيه. أظهرت الدراسات اللاحقة أن زيادة الإصابة بسرطان المثانة لا تنطبق على البشر، بل على الفئران فقط التي تم استخدامها في دراسات صلاحية تناول السكرين، وذلك بسبب بيولوجيتها وتكوينها الداخلي ليس إلا. وفي عام 2000، تم شطب السكرين من قائمة الحكومة للمواد المسرطنة المعروفة، وتم إيقاف ملصقات التحذير من السكرين. بل وتم تطوير بدائل السكر الأخرى منذ ذلك الحين (كالأسبرتام). ولا يزال السكرين أحد أكثر بدائل السكر شعبيةً حتى يومنا هذا.

كيف نرى السكرين الآن؟

السكرين الآن أحد أكثر مكونات الطعام استخدامًا، يتم استعماله في مئات الأطباق بشكل يومي. كما يعد من أكثر المواد التي تم اختبارها بدقة، للتأكد من سلامته تمامًا؛ حيث تم دعم سلامته هذه كمُحلي صناعي من خلال 30 دراسة بشرية، وقرن من الاستخدام، وموافقة منظمة الصحة العالمية و100 دولة حول العالم، بالإضافة إلى مجموعات صحية رائدة.

السكرين كما قد قلنا مُحلي صناعي، وبالتالي يحمل نفس سمات المحلي الصناعي، وهي كالتالي:
– استخدامه كبديل للسكر، فهو الأقدم عالميًا.
– السكرين من المحليات المكثفة، فمذاقه أكثر حلاوة من السكر 300 مرة، وفي بعض المصادر 500 مرة! مما يعني أنه يمكن استخدامه بكميات صغيرة، لتقليل استهلاك السكر.
– السكرين لا يحتوي على سعرات حرارية نهائيًا، ومؤشر نسبة السكر في الدم له “Glycemic Index (GI)” مساوٍ للصفر. والسبب أنه لا يتم امتصاصه في الجسم ولا يتفكك ويتكسر، كما أنه لا يؤثر على مستويات السكر في الدم. لذلك يُعتبر كبديل مهم للسكر، للمساعدة في مكافحة مرض السكري والسمنة. نسمع العديد من الأبحاث التي تدعو للحد من استخدام السكر إلى بضع ملاعق صغيرة، للحفاظ على الصحة، وهناك من يتزمّت ويدعو لتجنبها تمامًا -وأنا أرى أن لو كانت حلوياتنا الشرقية بشرًا لقهقهت عاليًا من سماع هذا الأمر-.
السكرين مستقر حراريًا. أي أنه يظل محتفظ بشكله دون أن يتكسر عند ارتفاع درجة الحرارة؛ فيظل مستقرًا عند درجات حرارة تصل إلى 250 درجة مئوية. وهذه ميزة مهمة للغاية، حيث تُسْتَغَل هذه النقطة، ليتم استخدامه في الحلوى، والبسكويت، وبعض تركيبات المشروبات الغازية، وكذلك في غسول الفم، ومعاجين الأسنان، وكجزء من طلاء الأقراص في الأدوية، وكل هذا بشكل شائع.
أُنتج السكرين المُستخدم بشكل منفرد على المائدة (لتحلية الشاي مثلًا).

وفي النهاية، قد يكون استخدام المحليات الصناعية، مثل السكرين، أمر مثير للجدل في العالم بشكل عام، وفي الأوساط الطبية والصحية بشكل خاص، حيث أنه للآن نتائج الدراسات متعارضة بل وتتغير عبر السنين، لذلك، يُنصح دائمًا بعدم استخدامه بجرعات عالية وبدون إشراف أو استشارة الطبيب، أو أخصائي التغذية. الاعتدال دائمًا ما يكون سر من أسرار النجاة.

المصادر 1 2 3 4

كتابة: نرمين خالد

مراجعة: مصطفى أحمد مصطفى

تحرير: سعاد حسن

اظهر المزيد

نرمين خالد

كاتبة بقسم الأحياء والكيمياء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى