الطب

فشل زراعة الأعضاء

 لا شك أن زراعة الأعضاء باتت إحدى أهم ما توصل إليه التطور الطبي، وعلى الرغم من التقدم الطبي الكبير في عمليات زرع الأعضاء؛ إلا أن المضاعفات التي تحدث نتيجة تلك العمليات ما زالت تسبب الكثير من الإزعاج للمجتمع الطبى، وأيضًا للذين يقومون بإجراء عمليات زراعة الأعضاء!

وتكمن إحدى أهم المشكلات وأخطرها فيما يعرف برفض العضو المزروع، حيث أن المريض الذي يستقبل العضو الجديد، سرعان ما يقوم جسده بطرد العضو؛ وهو ما يتسبب في فشل العملية تمامًا، بل وتعريض المريض لمضاعفات خطيرة.

نجح الأطباء في التوصل إلى أن الجهاز المناعي للإنسان هو المسئول الأول عن فشل زرع أعضاء جديدة، ومن ثم اتجهوا إلى ما يعرف بالمطابقة بين أنسجة المعطي والمُستقبل، بمعنى أن هناك نظام يتم من خلاله معرفة أن خلايا الشخص الذي يقوم بالتبرع تشبه إلى حد كبير خلايا الشخص الذي سيستقبل العضو الجديد؛ بالضبط كما يحدث عند التبرع بالدم، ولكن بنظم أكثر تعقيدًا، وهذا النظام يسمى بـ (HLA system). ولكي يضمن العلماء مزيدًا من النجاح للعملية قاموا باستخدام المثبطات المناعية، وأكثر ما تم استخدامه هو الكورتيزون.

لكن وإن نجحوا في تقليل نسبة فشل عمليات الزرع، لكن للأسف نتج عن استخدام المثبطات المناعية العديد من المضاعفات؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: جعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية الأكثر فتكًا، وأيضًا يجب على المريض ألا يتوقف عن استخدام تلك الأدوية؛ حتى لا يعاود الجسم نشاطه ضد العضو المزروع ويقوم بطرده؛ وهذا يجعل تكلفة ما بعد العملية كبيرة جدًا على الشخص الذي يقوم بعملية الزرع.

في دراسة دولية كبيرة تم إجرائها لبحث المعدل الذي يحتاج إليه الشخص الذي يقوم بعمليات الزرع من مثبطات المناعة، تبين أن متلقي الزرع يحتاجون إلى مستويات أقل من مثبطات المناعة من أجل منع رفض العضو، وهذا بدوره سيقلل أيضًا من الإصابة بالالتهابات الفيروسية.

ومن أجل هذا، وكما بيّنا الآثار السيئة الناجمة عن كثرة استخدام مثبطات المناعة، وأيضًا أوضحت التجارب السريرية فيما بعد، أن عملية رفض الأعضاء تحدث بواسطة آليات أخرى، لا تستطيع مثبطات المناعة إيقافها .

ولهذا كله، بدأ العلماء في التفكير في الآلية التي يحدث بها رفض العضو الجديد، وتمكنوا من الوصول إلى تفسيرين؛ أولهما هو أن هناك خلايا مناعية تعرف بالخلايا التائية، هذه الخلايا تقوم بمهاجمة خلايا العضو الجديد  بمجرد زرعه، وبالتالي تتسبب في سرعة إتلافه، ولكن هذه الخلايا تستجيب إلى الكورتيزون؛ لذلك كان من المنطقي أن الكورتيزون يتسبب في نجاح عملية الزرع في أول الأمر، لكن سرعان ما كان يفشل الأمر؛ بسبب الآلية الثانية التي يقوم بها الجسم من أجل التخلص من الجسم المزروع، وهي أن هناك أجسام مضادة ينتجها الجسم تقوم بمهاجمة خلايا العضو الجديد، ولكن كيف يحدث هذا؟

خلايانا نحن البشر يوجد على سطحها ما يعرف (بالأنتيجينات)، هذه الأنتيجينات توجد على سطح معظم الخلايا في جسم أي إنسان، وهي تابعة لما يعرف بنظام (HLA system)، لكن لا يقوم الجسد بمهاجمة خلاياه؛ لأنه سبق له في بداية تكوينه أن تعرض الجهاز المناعى لعملية تكيف، وبالتالي لا نجد أن الجهاز المناعي في أجسامنا يقوم بمهاجمة خلايانا، إلا في حالات نادرة، وهذه الحالات تكون حالات مرضية!

العضو الجديد تحمل خلاياه على سطحها أجسام غريبة (أنتيجينات)، لم يكن جسم المريض الذي استقبل العضو يعرفها من قبل، وبالتالي تقوم الأجسام المضادة في جسم المريض بمهاجمة خلايا العضو الجديد، وتقوم بتدميرها، ومن ثم تفشل عملية الزرع، وأيضًا وجد العلماء أن هذه العملية لا تستجيب إلى الأدوية المستخدمة في تثبيط المناعة، وهذا ما يفسر لنا لماذا كانت تفشل معظم عمليات الزرع، على الرغم من الاستخدام الطويل والمكثف من مثبطات المناعة.

الآن جاء وقت حل هاتين المعضلتين!

بالنسبة للآلية الأولى التي يتخلص بها الجسم من العضو المزروع، والتي تتمثل في مهاجمة الخلايا التائية للعضو الجديد؛ تم اكتشاف الآتى:

أن الخلايا التائية تحمل بروتينًا يسمى (كورونين 1)، هذا البروتين مسئول بدرجة كبيرة عن كشف أي جسم غريب يغزو الجسد، وبالتالي قاموا بربط هذا البروتين بعملية رفض الأعضاء التي تحدث، ومن ثم حاولوا باستخدام الهندسة البيولوجية لإنتاج خلايا تائية لا تحمل هذا البروتين، وكانت المفاجأة السارة صديقي القارئ؛ أن الخلايا التائية المهندسة لم تفقد قدرتها على مواجهة العدوى البكتيرية والفيروسية، كان هذا العمل بمثابة إنجاز واكتشاف عظيم قام به العلماء، حيث تمكنوا أخيرًا من تطوير علاج يمنع الجسم من رفض الأعضاء المزروعة، وأيضًا الإبقاء على قدرة الجسم المناعية على الحفاظ على الجسم من أي عدوى فيروسية أو بكتيرية.

وما زالت الأبحاث مستمرة في هذا الجانب، لكن النتائج تشير إلى تقدم كبير في هذه التقنية.

بهذه الآلية، قد نتمكن تمامًا من منع الجسم رفض الأعضاء المزروعة جديدًا بسرعة، لكن هناك آلية أخرى ما زال يعمل بها الجسم، ويستخدمها على المدى البعيد في إتلاف الأعضاء المزروعة؛ وهي الأجسام المضادة التي تهاجم (الأنتيجينات) التي أشرنا إليها سابقًا في مقالنا.

كان هذا التحدي أصعب من الذي قبله بكثير!

توصل العلماء أخيرًا إلى تصوير عملية الارتباط التي تحدث بين الأجسام المضادة وبين (الأنتيجينات) على سطح خلايا العضو المزروع، بهذا العمل الفريد، نجحوا في اكتشاف أن هذه الأجسام المضادة التي ينتجها الجسم تقوم بمهاجمة أجزاء معينة من الأنتيجينات التي على خلايا العضو الجديد، ليس هذا فحسب، بل اكتشفوا أيضًا أن هناك اثنين من الأحماض الأمينية على سطح (الأنتيجين) لا يتم هذا الارتباط بدونهما، وهما حمض الأسبارتيك في الموضع 90، والأرجينين في الموضع 14.

وأيضًا أظهر هذا الاكتشاف أن الأجسام المضادة ترتبط على سطح خلايا العضو المزروع في أماكن مستقلة تمامًا عن تلك التي ترتبط فيها الخلايا التائية.

نجاح هذا العمل الفريد الذي قامت به مجلة (nature) كان مفتاحًا عظيمًا في مزيد من التقدم نحو نجاح عمليات زراعة الأعضاء.

وأيضًا لم يتوقف اكتشاف العلماء عند هذا الحد وحسب، بل نجحوا أيضًا في اكتشاف نوع من الأجسام المضادة في جسد الإنسان يقوم بحماية العضو المزروع ، حيث أظهر الفريق أن أحد أشكال هذه الأجسام المضادة هو (فئة فرعية تسمى IgG4) يرتبط ببروتين HLA على سطح خلايا العضو المزروع دون التسبب في استجابة التهابية. كان هذا عظيمًا؛ حيث يمكنهم الآن استخدام هذا الجسم المضاد من أجل تقليل عملية رفض الأعضاء!

كل هذه التطورات الكبيرة في مجال زراعة الأعضاء بالتأكيد تعطي لنا شعورًا كبيرًا بالتفاؤل، لكن مازال هناك العديد من الجوانب التي يعمل العلماء على حلها؛ لنتمكن من إجراء هذه العمليات بنجاح كبير.

المصادر 1 2 3

كتابة: مصطفى محسن مصطفى

اظهر المزيد

مصطفى محسن

طالب بالفرقة السادسة طب قنا، بيحب الكتابة، وأي فكر جديد، مؤسس دوبامين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى